وسائل التواصل الاجتماعي في مصر: نطاق مُجرَّم قانوناً
لا تعامل مصر وسائل التواصل الاجتماعي باعتبارها فضاءً للتعبير الحر. إذ يُصنِّف القانون رقم 175 لسنة 2018 طيفاً واسعاً من السلوكيات الإلكترونية جرائمَ جنائية، تشمل: النشر، والمشاركة، وإدارة الحسابات، بل وعدم حذف محتوى بعينه. ويتعين على المقيمين الأجانب الذين يحتفظون بحسابات فاعلة على وسائل التواصل الاجتماعي، أو مدونات، أو مجموعات مراسلة داخل مصر، الإلمام الكامل بهذه القواعد.
المحتوى الذي قد يُعرِّضك للملاحقة الجنائية
الإخلال بالقيم الأسرية (المادة 25)
تُعدّ المادة 25 من أوسع الأحكام نطاقاً وأكثرها استناداً في الملاحقات القضائية. وتُجرِّم هذه المادة استخدام أي وسيلة من وسائل تقنية المعلومات لنشر محتوى من شأنه:
- الإخلال بـالمبادئ والقيم الأسرية في المجتمع المصري
- الإخلال بـالآداب العامة
- الترويج للمحتوى الجنسي أو تشجيعه دون ترخيص
وتبلغ العقوبة السجن مدةً لا تقل عن ستة أشهر، وغرامة مالية تتراوح بين 50,000 و100,000 جنيه مصري، أو إحدى هاتين العقوبتين. وتُفسِّر المحاكم والنيابة العامة المصرية مفهوم "القيم الأسرية" تفسيراً موسَّعاً، مما يعني أن محتوى مقبولاً كلياً في السياقات الغربية — كالمحتوى الخاص بمجتمع الميم، وبعض أشكال الفكاهة، أو التعليقات السياسية الاستفزازية — قد يندرج ضمن نطاق هذا التجريم.
التحريض على الجرائم أو الترويج للجماعات غير المشروعة (المادة 26)
تستهدف المادة 26 كل من يستخدم منصةً إلكترونية عن قصد من أجل:
- الترويج أو التحريض أو المساعدة على ارتكاب أي جريمة
- دعم المنظمات الإرهابية أو الجماعات التي تهدد النظام العام
وتتراوح العقوبة بين السجن من سنتين إلى خمس سنوات، وغرامة مالية بين 100,000 و300,000 جنيه مصري. وقد يستدعي مجرد مشاركة أو الإعجاب بمحتوى مرتبط بمنظمات محظورة إجراء تحقيق جنائي.
إنشاء حسابات وهمية (المادة 24)
يُعدّ إنشاء عنوان بريد إلكتروني أو موقع إلكتروني أو حساب على وسائل التواصل الاجتماعي بصفة وهمية، ونسبته زوراً إلى شخص حقيقي أو كيان قانوني، جريمةً جنائية. وتبلغ العقوبة الأصلية السجن ثلاثة أشهر، وغرامة مالية تتراوح بين 10,000 و30,000 جنيه مصري. وتشتد العقوبات بصورة ملحوظة إذا استُخدم الحساب الوهمي للإضرار بأفراد أو لارتكاب جرائم أخرى.
مسؤولية مديري الحسابات (المادتان 28 و29)
ثمة نقطة بالغة الأهمية يجب أن يُدركها المقيمون الأجانب الذين يديرون مجموعات مجتمعية أو صفحات على فيسبوك أو مجموعات واتساب أو مواقع إلكترونية: يجوز مساءلتهم شخصياً عن المحتوى الذي ينشره الآخرون.
- المادة 28 تُحمِّل مديري المواقع والحسابات المسؤولية الجنائية إذا أتاحوا عن علم استمرار نشر محتوى مخالف للقانون — وتتراوح العقوبات بين السجن ستة أشهر وغرامة مالية بين 20,000 و200,000 جنيه مصري.
- المادة 29 تفرض المسؤولية على المديرين الذين يمتنعون عن حذف أو الإبلاغ عن محتوى ذي صلة بجرائم — وتبدأ العقوبات بـالسجن سنة واحدة وغرامة مالية بين 20,000 و200,000 جنيه مصري.
إذا كنت تدير مجموعةً خاصة بالمقيمين الأجانب على أي منصة، فأنت بذلك تتحمل مخاطرة قانونية مباشرة.
حجب المواقع والحسابات الإلكترونية
بموجب المادة 7، يحق للسلطات إصدار أوامر بحجب أي حساب أو موقع إلكتروني يُعدّ محتواه تهديداً للأمن القومي أو النظام العام أو الآداب العامة، ويجوز تنفيذ ذلك دون سابق إنذار. وتُتيح المادة 8 للأطراف المتضررة حق الطعن في قرار الحجب خلال سبعة أيام، غير أن الحجب يسري فور صدور القرار.
إرشادات عملية للمقيمين الأجانب على وسائل التواصل الاجتماعي
- تجنَّب نشر تعليقات سياسية تتعلق بالحكومة المصرية أو الجيش أو أجهزة الأمن — فهذا الأمر ينطوي على مخاطر جسيمة.
- تحاشَ نشر محتوى ديني يحتمل تأويله إساءةً للإسلام أو غيره من الأديان المعترف بها.
- لا تنشر أو تشارك محتوى يخص مجتمع الميم — إذ يُلاحَق قضائياً باستمرار استناداً إلى حكم "القيم الأسرية".
- احذف مجموعاتك أو راقبها بفاعلية. إذا كنت تدير أي مجموعة أو صفحة، فراقب المحتوى بصورة منتظمة واحذف ما قد يخالف القانون المصري.
- كن حذراً مع الفكاهة والسخرية. فما يبدو سخريةً صريحة باللغة الإنجليزية قد يُعامله المدعون العامون المصريون باعتباره إساءة فعلية.
- الشبكات الافتراضية الخاصة (VPN) لا تشكّل درعاً قانونياً. إن استخدام الشبكة الافتراضية الخاصة للوصول إلى منصات محجوبة لا يقيك من الملاحقة القضائية على ما تنشره.
في حال التحقيق معك
إذا تواصلت معك السلطات المصرية بشأن محتوى على وسائل التواصل الاجتماعي، فلا تقدم على حذف الأدلة من تلقاء نفسك — إذ قد يُعدّ ذلك عرقلةً للعدالة. استعن فوراً بمحامٍ جنائي مصري متخصص في قضايا الجرائم الإلكترونية. ويتمتع المدعي العام بصلاحيات واسعة النطاق بموجب المادة 9 لتقييد وصولك إلى أجهزتك وحساباتك خلال فترة التحقيق.
خلاصة
تتسم قوانين وسائل التواصل الاجتماعي في مصر بالصرامة والصياغة الفضفاضة، وتُطبَّق بفاعلية على المقيمين الأجانب والمواطنين على حدٍّ سواء. والنهج الأكثر أماناً هو التعامل مع النشاط على وسائل التواصل الاجتماعي في مصر باعتباره فضاءً عاماً خاضعاً للرقابة القانونية، لا قناةً خاصة.